محمد بن جرير الطبري
138
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تركهم عبادة آلهته : رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول : قالوا ربنا ملك السماوات والأرض وما فيهما من شيء ، وآلهتك مربوبة ، وغير جائز لنا أن نترك عبادة الرب ونعبد المربوب لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً يقول : لن ندعو من دون رب السماوات والأرض إلها ، لأنه لا إله غيره ، وإن كل ما دونه فهو خلقه . لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً يقول جل ثناؤه : لئن دعونا إلها غير إله السماوات والأرض ، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلها ، شططا من القول : يعني غاليا من الكذب ، مجاوزا مقداره في البطول والغلو : كما قال الشاعر : ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي * ويزعمن أن أودى بحقي باطلي يقال منه : قد أشط فلان في السوم إذا جاوز القدر وارتفع ، يشط إشطاطا وشططا . فأما من البعد فإنما يقال : شط منزل فلان يشط شطوطا ؛ ومن الطول : شطت الجارية تشط شطاطا وشطاطة : إذا طالت . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله شَطَطاً قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً يقول كذبا . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً قال : لقد قلنا إذن خطأ ، قال : الشطط : الخطأ من القول . القول في تأويل قوله تعالى : هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ يقول عز ذكره مخبرا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف : هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها من دونه لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ يقول : هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة . وفي الكلام محذوف اجتزئ بما ظهر عما حذف ، وذلك في قوله : لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فالهاء والميم في عليهم من ذكر الآلهة ، والآلهة لا يؤتى عليها بسلطان ، ولا يسأل السلطان عليها ، وإنما يسأل عابدوها السلطان على عبادتهموها ، فمعلوم إذ كان الأمر كذلك ، أن معنى الكلام : لولا يأتون على عبادتهموها ، واتخاذهموها آلهة من دون الله بسلطان بين . وبنحو ما قلنا في معنى السلطان ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ يقول : بعذر بين . وعنى بقوله عز ذكره : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ومن أشد اعتداء وإشراكا بالله ، ممن اختلق ، فتخرص على الله كذبا ، وأشرك مع الله في سلطانه شريكا يعبده دونه ، ويتخده إلها . القول في تأويل قوله تعالى وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل بعض الفتية لبعض : وإذا اعتزلتم أيها الفتية قومكم الذين اتخذوا من دون الله آلهة وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يقول : وإذا اعتزلتم قومكم الذين يعبدون من الآلهة سوى الله ، ف " ما " إذ كان ذلك معناه في موضع نصب عطفا لها على الهاء ، والميم التي في قوله وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وهي في مصحف عبد الله : " وما يعبدون من دون الله " هذا تفسيرها . وأما قوله : فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ فإنه يعني به : فصيروا إلى غار الجبل الذي يسمى بنجلوس ، يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يقول : يبسط لكم ربكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رميتم به من الكافر دقينوس وطلبه إياكم لعرضكم على الفتنة . وقوله : فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ جواب لإذ ، كأن معنى الكلام : وإذ اعتزلتم أيها القوم قومكم ، فأووا إلى الكهف ؛ كما يقال : إذ أذنبت فاستغفر الله وتب إليه . وقوله : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً يقول : وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغم والكرب خوفا منكم على أنفسكم ودينكم مرفقا ، ويعني بالمرفق : ما ترتفقون به من شيء . وفي المرفق من اليد وغير اليد لغتان : كسر الميم وفتح الفاء ، وفتح الميم وكسر الفاء . وكان الكسائي ينكر